الاحتفالات بين الفرح والقمع.. كيف تحولت المناسبات الدينية إلى ساحات صراع؟

الاحتفالات بين الفرح والقمع.. كيف تحولت المناسبات الدينية إلى ساحات صراع؟
الاحتفالات بالعيد- أرشيف

تواجه الاحتفالات الدينية والثقافية في مختلف أنحاء العالم تحديات متعددة تعوق ممارستها بحرية وسلام، ما يسلط الضوء على تأثير العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية والتكنولوجية والبيئية على حق الأفراد في التعبير عن هويتهم الثقافية والدينية.

فرضت الحكومات في العديد من الدول قيودًا صارمة على الاحتفالات الدينية والثقافية، بحجة الحفاظ على الأمن أو النظام العام، ففي المناطق التي تعاني من صراعات سياسية أو أنظمة استبدادية، يُمنع الأفراد من إقامة طقوسهم بحرية، حيث كشف تقرير صادر عن "منظمة العفو الدولية" عام 2023 أن 35% من الدول التي تشهد نزاعات مسلحة تفرض قيودًا على الاحتفالات الدينية، هذا الحرمان لا يقتصر على حظر التجمعات، بل يشمل أيضًا التضييق على أماكن العبادة والقيود على حرية التعبير الديني.

وتؤدي الانقسامات الطائفية والعرقية إلى تحوّل الاحتفالات الدينية إلى نقاط توتر بين المجموعات المختلفة، حيث تشير دراسة أجرتها "جامعة أوكسفورد" عام 2022 إلى أن 40% من الصراعات الطائفية في الشرق الأوسط مرتبطة بالاحتفالات الدينية، وفي بعض المناطق، يُستخدم منع الاحتفالات كأداة لتعميق الخلافات الاجتماعية، ما يعزز التمييز ضد الأقليات ويؤدي إلى تصاعد التوترات المجتمعية.

وأسهمت الأزمات الاقتصادية في الحد من القدرة على إقامة الاحتفالات الدينية والثقافية، خاصة في الدول التي تعاني من فقر مدقع، ووفقًا لتقرير صادر عن "البنك الدولي" عام 2023، فإن 60% من الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى ألغت احتفالات دينية كبرى بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية، وفي ظل هذه الظروف يصبح من الصعب على المجتمعات تخصيص الموارد المالية اللازمة لتنظيم هذه الفعاليات، ما ينعكس سلبًا على الهوية الثقافية والمعنويات الاجتماعية.

الاحتفالات في ظل الأوبئة

فرضت جائحة كوفيد-19 قيودًا صارمة على الاحتفالات، إذ ألغت 70% من الدول حول العالم التجمعات الدينية والثقافية وفقًا لـ"منظمة الصحة العالمية" عام 2023، وأثرت هذه التدابير، رغم ضرورتها للحفاظ على الصحة العامة، سلبًا على الطقوس الدينية التقليدية، ما دفع العديد من المجتمعات إلى البحث عن بدائل افتراضية لممارسة شعائرهم.

وعلى الرغم من تطور الاحتفالات الافتراضية، لا يزال عدم توفر الإنترنت والبنية التحتية التكنولوجية في بعض المناطق يحرم ملايين الأفراد من المشاركة في الفعاليات الرقمية، وكشف تقرير صادر عن "الاتحاد الدولي للاتصالات" عام 2023 أن 30% من سكان العالم لا يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الإنترنت، ما يؤدي إلى استبعادهم من التجارب الاحتفالية الحديثة.

وتشكل الكوارث البيئية تحديًا إضافيًا أمام إقامة الاحتفالات، حيث تؤدي الفيضانات والجفاف إلى إلغاء التجمعات الدينية والثقافية، وفقًا لـ"برنامج الأمم المتحدة للبيئة" عام 2023، فإن 25% من الدول التي تواجه أزمات بيئية اضطرت إلى إلغاء احتفالات دينية كبرى، هذا التأثير لا يقتصر فقط على الحد من التجمعات، بل يمتد إلى تقويض قدرة الأفراد على الحفاظ على تقاليدهم في ظل أزمات مناخية متزايدة.

ولمواجهة هذه التحديات، يجب تعزيز السياسات التي تحمي حرية المعتقد والتعبير الثقافي، إلى جانب تطوير حلول تكنولوجية تضمن شمولية المشاركة الرقمية، كما يُعد التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمعات المحلية ضروريًا لضمان احترام التنوع الثقافي والديني، وتعزيز قدرة الأفراد على ممارسة احتفالاتهم دون قيود تعسفية أو ضغوط سياسية واقتصادية.

الدساتير والثقافة كمعوقات

قال الصحفي مايكل فارس، المتخصص في قضايا المواطنة والتنوع والحوار بين الأديان والثقافات، إن القوانين الدولية تضمن حرية الدين والمعتقد، ومع ذلك لا تزال بعض الدول تفرض قيودًا، سواء من خلال التشريعات الرسمية أو عبر الضغوط الاجتماعية، ما يخلق بيئة تحدّ من ممارسة هذا الحق الأساسي.

وأوضح فارس، في تصريحات لـ"جسور بوست"، أن هذه العراقيل قد تكون ذات طابع دستوري قبل أن تكون قانونية أو اجتماعية، فعلى سبيل المثال، عندما يعترف الدستور بدين معين أو بأديان محددة مثل "الأديان السماوية"، فإن ذلك ينعكس على سياسات الدولة بطريقة تقيّد حرية الاحتفال بالأعياد الدينية لغير المعترف بهم رسميًا وبالتالي، لا يتم الاعتراف بالمواطنة الشاملة، بل بمواطنة منقوصة تقتصر على فئات معينة، ورغم أن بعض الدساتير قد تقرّ بالتنوع الديني المحدود، فإن ذلك لا يُترجم إلى تشريعات عملية تكفل المساواة الفعلية.

وقال إن العوامل الثقافية تلعب دورًا رئيسيًا في تقييد الاحتفالات الدينية إذ تعزز بعض الخطابات المتطرفة ثقافة الإقصاء والتمييز، من خلال الدعوة إلى عدم تهنئة أتباع الأديان الأخرى، مما يرسّخ العزلة الاجتماعية ويغذي التوترات الدينية ويصل الأمر في بعض الدول العربية إلى حد الاعتداءات الجسدية على المحتفلين بأعيادهم، ما يعكس تفشي التعصب الديني وغياب سياسات حقيقية لمواجهته هذه الممارسات التي تتناقض مع المواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يحظر التمييز على أساس الدين في مادته الثانية، كما تؤكد المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حرية الاعتقاد وإقامة الشعائر الدينية دون قيود تعسفية.

وقال إنه لتحقيق تضامن دولي أقوى لحماية حرية الاحتفال بالأعياد، يتطلب الأمر تضافر جهود المنظمات العالمية، مثل الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، بالتنسيق مع الجهات الإقليمية الفاعلة في مجال الحريات الدينية، كما يجب على الحكومات الساعية إلى تعزيز التعددية الدينية والثقافية مراجعة قوانينها وضمان توافقها مع مبادئ حرية المعتقد، ويشمل ذلك تعديل التشريعات التمييزية وتدريب كبار المسؤولين الحكوميين على قضايا الحريات الدينية لضمان تعاملهم مع هذه القضايا بموضوعية، ومن المقترحات الفعالة إنشاء "خط ساخن" للإبلاغ عن الأزمات الدينية، بهدف التدخل السريع ومعالجتها قبل أن تتفاقم.

القيود المفروضة على الاحتفالات

وفي السياق، قالت الناشطة الحقوقية أسماء رمزي، إن القوانين الدولية تكفل حرية الدين والمعتقد، لا تزال الاحتفالات الدينية تواجه قيودًا صارمة في عدد من الدول، سواء عبر تشريعات رسمية تقيد هذه الحقوق أو من خلال ضغوط اجتماعية وثقافية تفرض قيودًا غير مباشرة، هذه الممارسات تتعارض بشكل واضح مع المبادئ الأساسية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين ينصان على حرية الأفراد في ممارسة شعائرهم الدينية دون تمييز.. ومع ذلك، لا تزال بعض الحكومات تفرض حظرًا على بعض الأعياد الدينية بدوافع سياسية، ثقافية، أو حتى أمنية.

وتابعت رمزي، في تصريحات لـ"جسور بوست": في طاجيكستان، على سبيل المثال، أصدرت السلطات عام 2024 قانونًا يحظر ارتداء الحجاب والاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى، وذلك بحجة الحفاظ على القيم الثقافية للدولة، وفي الصومال قررت الحكومة منع الاحتفال بعيد الميلاد ورأس السنة بدعوى تعارضهما مع الثقافة الإسلامية، بالإضافة إلى مخاوف أمنية محتملة، وفي سلطنة بروناي فرضت السلطات حظرًا على أي مظاهر للاحتفال بعيد الميلاد، بما في ذلك الزينة والترانيم، بدعوى أنها تشكل تهديدًا للعقيدة الإسلامية، وغيرها كثير من دول العالم. 

وقالت إن هذا الواقع المظلم يفرض تحديات جسيمة على الحريات الدينية، لكنه يفتح نافذة أمل للتغيير، خاصة عبر الأجيال الشابة.. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بالإمكان توظيفها كأداة فعالة لنشر الوعي حول هذه الانتهاكات، يمكن للشباب المشاركة في حملات توعوية عبر نشر محتوى يُسلّط الضوء على القيود المفروضة على الاحتفالات الدينية، وإعادة مشاركة المقالات والتقارير الحقوقية ومقاطع الفيديو التوعوية التي تبرز هذه الانتهاكات.

وأضافت أن منظمات حقوق الإنسان تلعب دورًا محوريًا في الدفاع عن حرية الاحتفال بالأعياد الدينية، حيث تعمل على مراقبة وتوثيق الانتهاكات المرتبطة بحرية المعتقد والممارسات الدينية، ووفقًا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإن هذه المنظمات تجمع الأدلة والشهادات حول الانتهاكات، وتنظم حملات توعية لتعزيز ثقافة حقوق الإنسان كما تقدم الدعم القانوني للأفراد المتضررين، وتساعد في تقديم الشكاوى أمام المحاكم المحلية والدولية لضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.

وأشارت إلى ضرورة تعاون منظمات حقوق الإنسان مع الهيئات الدولية، مثل الأمم المتحدة، لرفع هذه القضايا إلى المستوى الدولي، ما يزيد من الضغط على الحكومات التي تفرض قيودًا على الاحتفالات الدينية. 

وأتمت: التوعية والتثقيف من الركائز الأساسية لتعزيز احترام التنوع الديني كما أن الضغط على الحكومات عبر المنظمات الحقوقية والهيئات الأممية يمكن أن يسهم في ضمان احترام الدول لالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتبادل الخبرات بين الدول والمنظمات الحقوقية حول الممارسات الناجحة في حماية حرية الاحتفالات الدينية يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو بناء سياسات تضمن حق الجميع في الاحتفال بأعيادهم دون قيود، وتعزز مناخًا من التسامح والتعددية الدينية على مستوى العالم.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية